الشوكاني

143

فتح القدير

المفعول محذوف : أي مفعول أنزلنا ، والتقدير : كما أنزلنا على المقتسمين عذابا ، فيكون المعنى : إني أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم كقوله تعالى - أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود - ، وقيل إن الكاف زائدة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين من العذاب ، وقيل هو متعلق بقوله - ولقد آتيناك - أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون ، والأولى أن يتعلق بقوله ( إني أنا النذير المبين ) لأنه في قوة الأمر بالإنذار . وقد اختلف في المقتسمين من هم ؟ فقال الفراء : هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا أنقاب مكة وفجاجها يقولون لمن دخلها : لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون ، وربما قالوا ساحر وربما قالوا شاعر وربما قالوا كاهن ، فقيل لهم مقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق ، وقيل إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب الله ، فجعلوا بعضه شعرا ، وبعضه سحرا ، وبعضه كهانة ، وبعضه أساطير الأولين . قاله قتادة ، وقيل هم أهل الكتاب ، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا يقتسمون القرآن استهزاء ، فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك ، روى هذا عن ابن عباس . وقيل إنهم قسموا كتابهم وفرقوه وبددوه وحرفوه ، وقيل المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال تعالى - تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله - وقيل تقاسموا أيمانا تحالفوا عليها ، قاله الأخفش ، وقيل إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ذكره الماوردي ( الذين جعلوا القرآن عضين ) جمع عضة ، وأصلها عضوة فعلة من عضي الشاة إذا جعلها أجزاء ، فيكون المعنى على هذا : الذين جعلوا القرآن أجزاء متفرقة ، بعضه شعر ، وبعضه سحر ، وبعضه كهانة ونحو ذلك ، وقيل هو مأخوذ من عضته إذا بهته ، فالمحذوف منه الهاء لا الواو ، وجمعت العضة على المعنيين جمع العقلاء لما لحقها من الحذف فجعلوا ذلك عوضا عما لحقها من الحذف ، وقيل معنى عضين إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض ، ومما يؤيد ، أن معنى عضين التفريق ، قول رؤبة : * وليس دين الله بالعضين * : أي بالمفرق ، وقيل العضة والعضين في لغة قريش السحر : وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة عاضهة ، ومنه قول الشاعر : أعوذ بربي من النافثات * في عقد العاضهة والعضه وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن العاضهة والمستعضهة ، وفسر بالساحرة والمستسحرة والمعنى : أنهم أكثروا البهت على القرآن ، وسموه سحرا وكذبا وأساطير الأولين ، ونظير عضة في النقصان شفة ، والأصل شفهة ، وكذلك سنة ، والأصل سنهة . قال الكسائي : العضة الكذب والبهتان ، وجمعها عضون . وقال الفراء : إنه مأخوذ من العضاه ، وهي شجر يؤذى ويجرح كالشوك ، ويجوز أن يراد بالقرآن التوراة والإنجيل لكونهما مما يقرأ ، ويراد بالمقتسمين هم اليهود والنصارى : أي جعلوهما أجزاء متفرقة ، وهو أحد الأقوال المتقدمة ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) أي لنسألن هؤلاء الكفرة أجمعين يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها ، وقيل إن المراد سؤالهم عن كلمة التوحيد ، والعموم في عما كانوا يعملون ، يفيد ما هو أوسع من ذلك ، وقيل إن المسؤولين ها هنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار ، ويدل عليه قوله - ثم لتسألن يومئذ عن النعيم - وقوله - وقفوهم إنهم مسؤولون - ، وقوله - إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم - ، ويمكن أن يقال : إن قصر هذا السؤال على المذكورين في السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم ( فاصدع بما تؤمر ) قال الزجاج : يقول أظهر ما تؤمر به ، أخذ من الصديع وهو الصبح انتهى . وأصل الصدع الفرق والشق يقال صدعته فانصدع : أي انشق ، وتصدع القوم : أي تفرقوا ومنه - يومئذ يصدعون - أي يتفرقون . قال